كوركيس عواد
209
الذخائر الشرقية
( البصرة في خلافة المنصور ) . فوطأ محرر المقتطف حينذاك لهذا الفصل بالكلمة التالية : « هذه النبذة من كتاب قد باشر تأليفه الشاب اللبيب جميل أفندي المدوّر . . . [ إلى أن قال ] : فنطلب له تمام التوفيق إلى إنجاز هذا الكتاب الذي لا تحصى فوائده ولا تثمن فرائده » . ولم تظهر الطبعة الأولى لهذا الكتاب إلا في سنة 1889 م . وهنا ندع القول للمؤلف يفصح لنا عن الطريقة المثلى التي سلكها في تصنيف هذا الكتاب الخالد ، قال في المقدمة : « هذه رسائل ، وضعت فيها عصرا من عصور الإسلام قد أشرق به نور العلم ، وجرت فيه أعمال عظيمة قام بها رجال كبراء ملئوا العالم بآثار جمالهم ، وجعلت الكلام فيها لرحالة « فارسي » طوّفته معظم البلدان الإسلامية في المائة الثانية للهجرة وطوقته مناصب الدولة برعاية البرامكة إلى أن نكبهم الرشيد . . . » . فالكتاب رسائل تبلغ العشر عدّا ، كتبها الرحالة الفارسي الجيابي من سنة 156 إلى سنة 187 للهجرة ؛ وقد سطر الأولى وهو في النهروان سنة 156 ، والثامنة وهو في بحر تونس سنة 186 ، والتاسعة وهو في المشاعر المباركة سنة 186 أيضا . أما الرسائل السبع الباقيات فقد كتبها وهو في بغداد . وقد لخصه من خمسة وثمانين تصنيفا تعد بحق من أسمى المؤلفات العربية القديمة الباحثة في علوم الدين واللغة والبلدان والأخبار والأدب وغير ذلك . وما لا بد من ذكره هو أنه لم يدون حقيقة أو يسطر قضية إلا أسندها في الحاشية إلى المرجع الذي أخذها عنه ، وأشار إلى الصفحة في كل مرة ينقل من هاتيك المؤلفات الخمسة والثمانين التي ألمعنا إليها . وفي هذا من المشقة ما لا يدركه إلا الذين عانوا مثل هذا التلخيص في كتاباتهم . ومن يطالع هذا الكتاب ، يدرك أن الغرض من وضعه إظهار طرف من مآثر العرب ومفاخر الإسلام أيام هارون الرشيد والبرامكة . فهو يكشف للقارئ ما كان عليه القوم من علوم وآداب وعادات ومتاجر في بغداد وغيرها من البلدان . أضف إلى ذلك أنه موضوع على منوال رحلة لرحّالة متفقة بالعلوم والآداب المعروفة في ذلك الزمن ، فهو يصف المدن والمعابد والمشاهد والمباني والسفن والموانئ وهيئات الملوك والوزراء والعلماء